فخر الدين الرازي

4

تفسير الرازي

الحبر الذي يكتب به ، وهو قول الفرّاء والكسائي وأبي عبيدة ، والله أعلم . المسألة السادسة : دلّت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار ، وهذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالاً من الأحبار ، فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين ، والأحباء كآحاد العلماء . ثم قال : * ( بما استحفظوا من كتاب الله ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : حفظ كتاب الله على وجهين : الأول : أن يحفظ فلا ينسى . الثاني : أن يحفظ فلا يضيع ، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين : أحدهما : أن يحفظون في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم ، والثاني : أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه . المسألة الثانية : الباء في قوله * ( بما استحفظوا من كتاب الله ) * فيه وجهان : الأول : أن يكون صلة الأحبار على معنى العلماء بما استحفظوا . الثاني : أن يكون المعنى يحكمون بما استحفظوا ، وهو قول الزجاج . ثم قال تعالى : * ( وكانوا عليه شهداء ) * أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق ومن عند الله ، فلا جرم كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها عن التحريف والتغيير . ثم قال تعالى : * ( فلا تخشوا الناس واخشوني ) * واعلم أنه تعالى لما قرر أن النبيين والربانيين والأحبار كانوا قائمين بإمضاء أحكام التوراة من غير مبالاة ، خاطب اليهود الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنعهم من التحريف والتغيير . واعلم أن إقدام القوم على التحريف لا بدّ وأن يكون لخوف ورهبة ، أو لطمع ورغبة ، ولما كان الخوف أقوى تأثيراً من الطمع قدم تعالى ذكره فقال : * ( فلا تخشوا النساء واخشون ) * والمعنى إياكم وأن تحرفوا كتابي للخوف من الناس والملوك والأشراف ، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم ، فلا تكونوا خائفين من الناس ، بل